أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
496
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
وقوله : ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ ولا يليق ذكر العذاب بهذين الموضعين . وقال الزمخشري : فأحسن : « المضموم : العذاب ، والمفتوح ذمّ لدائرة ، كقولك : « رجل سوء » في نقيض « رجل عدل » ، لأنّ من دارت عليه يذمّها » يعني أنها من باب إضافة الموصوف إلى صفته فوصفت في الأصل بالمصدر مبالغة ، ثم أضيفت لصفتها كقوله تعالى : ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ . قال الشيخ « 1 » : « وقد حكي بالضم » وأنشد : 2556 - وكنت كذئب السّوء لمّا رأى دما * بصاحبه يوما أحال على الدّم « 2 » وفي الدائرة مذهبان أظهرهما : أنها صفة على فاعلة كقائمة . وقال الفارسي : « إنها يجوز أن تكون مصدرا كالعافية » . وقوله : بِكُمُ الدَّوائِرَ فيه وجهان ، أظهرهما : أن الباء متعلقة بالفعل قبلها . والثاني : أنها حال من « الدَّوائِرَ » قاله أبو البقاء . وليس بظاهر ، وعلى هذا فيتعلّق بمحذوف على ما تقرر غير مرة . [ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 99 إلى 100 ] وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَواتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 99 ) وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( 100 ) قوله تعالى : قُرُباتٍ : مفعول ثان ليتخذ كما مرّ في « مَغْرَماً » . ولم يختلف قرّاء السبعة في ضم الراء من « قُرُباتٍ » مع اختلافهم في راء « قربة » كما سيأتي ، فيحتمل أن تكون هذه جمعا لقربة بالضم كما هي قراءة ورش عن نافع ، ويحتمل أن تكون جمعا للساكنها ، وإنما ضمّت اتباعا ل « غرفات » وقد تقدم التنبيه على هذه القاعدة وشروطها عند قوله تعالى : فِي ظُلُماتٍ « 3 » أول البقرة . قوله : عِنْدَ اللَّهِ في هذا الظرف ثلاثة أوجه : أظهرها : أنه متعلق ب « يَتَّخِذُ » . والثاني : أنه ظرف ل « قُرُباتٍ » قاله أبو البقاء ، وليس بذاك . الثالث : أنه متعلق بمحذوف لأنه صفة ل « قُرُباتٍ » . قوله : وَصَلَواتِ الرَّسُولِ فيه وجهان : أظهرهما : أنه نسق على « قُرُباتٍ » وهو ظاهر كلام الزمخشري فإنه قال : « والمعنى أنّ ما ينفقه سبب لحصول
--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 5 / 91 ) . ( 2 ) البيت للفرزدق انظر ديوان ( 2 / 187 ) اللسان « حول » . ( 3 ) آية رقم ( 17 ) .